قال إم دي فيرنون ” إن المستوى الطبيعي للإدراك والفكر يمكن الحفاظ عليه فقط في ظل البيئات المتغيرة باستمرار،وعندما لا يوجد تغيير تحدث حالة من ( الحرمان النفسي ) ، وتتدهور قدرة الكبار علي التركيز ، ويتذبذب الانتباه ويتوقف ، ويتلاشى الإدراك الطبيعي ، وفي الأطفال الذين لم يكتسبوا فهما كاملا للبيئة المحيطة بهم ، قد تتأثر شخصيتهم بالكامل ، وقد يكون من الصعب إعادة تكيفهم مع البيئة العادية “

مفهوم فنان عن الدماغ في حالة العزلة

    وبالطبع فإن تدهور الحالة الحسية والنفسية ، فإن ذلك يؤثر علي الحالة الصحية والجسدية.
إن الحرمان الحسي موضوع مثير ، ونظرا للتطور السريع للعالم ، وسكن الإنسان في بيوت منغلقة وصناعية ، وخصوصا عند وجود ظروف تغير العالم كالتي نعيشها بسبب تفشي الأمراض ، فإن الإنسان يضطر أن يمكث ساعات وأيام وشهور في عزلة عما حوله .
فتوجه انتباه علماء الفسيولوجيا والأطباء النفسيون وعلماء النفس إلى دراسة تأثيرات العزلة ، وعقدوا المؤتمرات وكتبوا الكتب حول هذا الأمر, ومنها ما كتبه آر إل جريجوري قائلا “يبدو أنه في غياب التحفيز الحسي ، يمكن أن يطلق العقل لخياله العنان وينتج تخيلات قد تسيطر عليه “.
ومن هنا توصلت الدراسات إلى الحاجة إلى تعرض معقول للألوان وغيره من الأحاسيس ، وأشارت إلى أهمية التنوع : فالأسطح الخالية من الألوان قد تبدو باهتة عند النظر إليها باستمرار ، وحتى الألوان قد يبهت لونها ويتحول إلى الرمادي المحايد .ويبدو أن الرؤية تتدهور إن لم تستثر، وأن العقل نفسه قد يصاب بالبلادة.

ومن المثير أن هذه الدراسات توصلت إلى أن وجود واجبات ومهام للإنسان يقوم بإنجازها..حتى وإن كان مسجونا..فإن ذلك يحفز الذكاء والرغبة للتقدم ، وإن كان ثمة خطر من بقاء الإنسان وحيدا…فإن (الجماعية) الزائدة قد تسبب كثرة الضغوط النفسية واحساس المرء أنه محاصر من كل جانب من قبل نواقصك وكأنك مراقب.

إذا كان المرء يسعى إلى السلام والسعادة في التأمل -الذي يقود أيضا إلى الحرمان النفسي – فقد يكون من الأفضل نصحه بتطوير “موارده العقلية”.
ومن هنا تأتي أهمية الألوان وتأثيراتها في إثارة العقل وشحذ الإلهام.
وكان رأي كاندينسكي مثل معظم الرسامين ، يؤمن بالفردانية ، فقد كان يرى للألوان تأثيرا روحانيا تماما مثلما لها صفة مادية ” فالألوان تصدر ذبذبات روحانية مماثلة ،واستجابة النفس لها في غاية الأهمية ”

*الإضاءة
من الأفضل أن يكون الضوء الصناعي حياديا وذا طابع دافئ نسبيا ، ومن جانب السطوع : فإن الأبيض والعاجي يجب عدم استخدامهما على الجدران ..فقط للأسقف ، لأن شدة السطوع في البيئة لا يعيق الرؤية فحسب.. بل يضيق بشدة فتحة حدقة العين البشرية ، وهذا فعل عضلي ومرهق جدا.

* الاستجابات للألوان
فإذا كان اللون (والسطوع) يغطي المجال العام للرؤية ، فسيحدث تكيف يؤدي إلى تجاهل اللون ورؤية الأشياء على أنها طبيعية إلى حد ما.
لذلك فإن الاستجابات الفسيولوجية والنفسية والنفسية للألوان ، للحفاظ على نشاطها ، تتطلب التغيير والتعاقب باستمرار . وهذا التغيير المستمر هو بالضبط ما سوف يساعد في التصدي للحرمان النفسي .

*اختيار الألوان

يفضل اللون الفاتح مثل : العاجي ، والخوخي ، والوردي ، والأصفر ، والأخضر الفاتح ، والأزرق الفاتح المخضر، لكن لا يفضل الأزرق الفاتح الذي يخلق منظرا باردا وكئيبا.
ولا يفضل الألوان الأرجوانية والبنفسجية ، بسبب ارتباطاتها الرمزية بالحداد، ولأن صورها التلوية سوف تلقي ظلا شاحبا ذا لون أخضر مصفر داخل المكان أو على الأشخاص الموجودين فيه ، وأوصي بشدة باستخدام ألوان التمييز المتوسطة الدكانة مثل : المرجاني ، والبرتقالي ، والذهبي ، والبني المحمر ، والأخضر ، والفيروزي ، والأزرق المتوسط أو الغامق.
ومن الألوان المفضلة لنهايات الحوائط : فإن استخدام الألوان متوسطة الدكانة تحقق نجاحا كبيرا مع الابيض أو العاجي في الأسقف ، والألوان الفاتحة والمتوسطة للأرضيات أو المفروشات.
ومن الممكن استخدام الألوان الدافئة في الجهات المطلة على الجنوب أو الشرق ، أو في مناطق الراحة والاستجمام.

ويجب تقديم قدر معتدل من التنوع للعيون والحالات المزاجية لدى البشر لتجنب الرتابة والحرمان الحسي . فتجعل بهجة الألوان الروح المعنوية مرتفعة دون خطر الإصابة بالإجهاد البصري أو البدني أو الذهني أو العاطفي.

*الإضاءة النفسية
إن الاسراف في استخدام الأبيض في الجدران البيضاء يفتقر إلى العاطفة ، كما أن الاسراف في استخدام الألوان الفاقعة قد يكون جذابا..ولكنه عبثي إلي حد كبير .
إن ما يمكن فعله في المنزل لا يخص أحدا إلا صاحب المنزل ومزخرفه ، لكن من أجل تلبية الاحتياجات الفسيولوجية والنفسية لكثير من الأشخاص ، يجب عدم اختيار الألوان على أساس الهوى أو الرغبة ، ولكن بفهم أفضل للتكوين النفسي للأشخاص بغرض الثبات الانفعالي.

سيأتي اليوم..وبسرعة .. الذي سيكون من الممكن فيه حقا إكساب حتى أكثر البيئات تقليدية وبساطة مزيدا من الحياة والحيوية ، من خلال تقديم الإضاءة النفسية بطريقة أو بأخرى.
فيستخدم الضوء الدافىء في الصباح ، وتزداد الشدة والبياض مع مرور اليوم ، وتستخدم إضاءة “محسنة لمظهر البشرة” في فترة استراحة القهوة أو أثناء ساعة الغداء ، ويستخدم ضوء وردي أو برتقالي خلال الغسق.

إذا كان باستطاعة الضوء واللون إنقاذ الإنسان من نفسه ، وسحبه بعيدا عن اليأس ، وإشراكه على نحو ممتع في العالم ومع الناس الموجودين فيه ، يجب أن يكون للضوء واللون بكل تأكيد مكان أساسيٌ في البيئات الاصطناعية في المستقبل .

المصادر والمراجع..

الألوان والاستجابات البشرية …فيبر بيرين

Open chat