برُزت أهمية الفيلم القصير في الآونة الأخيرة، وذلك لما يحملهُ من تميّز، فهو تحدٍّ واضح لقدرات (المخرج /المؤلف)، في اختزال أحداث القصة المراد الحديث عنها بصورة بعيدة عن النمطية الأمر الذي يُحتم عليهم التركيز على الجوهر بشكلٍ مباشر مع الاهتمام بظاهر الموضوع للوصول الى الهدف المرجو.
ففي الغالب يتحدث الفيلم القصير الـ(documentary) عن ظواهر اجتماعية مُستجدة أو أزماتٍ لحقبات سابقة (إقتصادية- حروب- كوارث)… الخ، وبالتالي فإنه يُوثق الفعل ورد الفعل المتولد من هذا الحدث أو ذاك، الامر الذي يدفعهُ لأن يكون واقعياً ومنطقياً بعيداً عن التصنع في وصف الأحداث و المواضيع.

وبجانب هذا الاهتمام الإيجابي بالفيلم القصير، برُزت مشكلة مهمة ألا وهي التجزيء الى أكثر من نوع! و لا أعرف هل هي بسبب الجهل بمذهبية الفيلم القصير بشكل عام و الـ(documentary) بشكل خاص، أم هو تقليداً أعمى لثقافات موازية بدون مراجعة مستفيضة للأُسس المناطة بكل ثقافة وبيئة، الأمر الذي جعل البعض يؤمن بأن هناك نوعان من أفلام الـ(documentary) ألا وهي (وثائقي وتسجيلي)، وكأن كل نوعٍ منهما يعمل بمعزل عن الآخر وفق آليات من المستحيل أن تتشابه فيما بينها من حيث البناء الفني أو التنظيمي، الأمر الذي خلق فجوة أخذت بالاتساع ولم يبادر إلا القلة القليلة من المهتمين بالفيلم القصير فعلاً، بالتنويه عنها في محاولةٍ لوقف هذا الاعتقاد الخاطئ.

ولكن للتعمق في الأمر وللتوضيح أكثر، لابد من الفهم بأن جوهر الـ(documentary) فيلم واحد، ألا وهو التوثيق في كل الحالات، قد يختلف بالشكل أو التسمية وفق الحالة أو الموضوع المراد توثيقهُ، وعلى سبيل المثال، فيلم قصير يتحدث عن الأوامر التي صدرت للطيران النازي بقصف مدينة لندن إبان الحرب العالمية الثانية، فبالتأكيد سيتضمن مشهد حقيقي / داخلي، مجموعة من الضبّاط الطيارين الألمان وهم يتلقون التعليمات من الضابط الأكبر، من خلال التأشير لهم على الخريطة، لأهم الأهداف الواجب قصفها، يُصاحبهُ صوت المعلق (vo)، وهو يتحدث عن التفاصيل المهمة للحدث، ومن ثم ولتكملة التدفق الصوري، مشهد خارجي/ نهاري، مدينة لندن مدمرة وألسنة اللهب تأكل ما تبقى من الأطلال، في إشارة الى الخراب الناجم من جراء القصف المستمر على المدينة، وممكن إضافة مشهد داخلي (ضابط ألماني سابق كان قد شارك فعلاً بالعملية، وذلك لإضفاء الجانب الحقيقي / التوثيقي بشكلٍ أفضل) ، ولو تمعنا بالفيلم لوجدنا بأنه إعادة ترتيب لأحداث القصة التي سبق وأن مرت على الناس، ولكن بشكل متسلسل في محاولة لفهم الأحداث السابقة على حقيقتها بعيداً عن الزيف المتداول أو الحقائق المبهمة، وبالتالي فإن الفيلم ما هو إلا أرشفة لتسلسل أحداث الماضي الواقعية.

ولو أخذنا مثالاً آخر عن فيلم قصير يتحدث عن حياة شابٍ متخرج ويعمل في مقهى (قهوجي)، بدءاً من إستيقاظه في الصباح وتأملهُ لأحلامه الوردية وإنتهاءً بأخر ساعة من نهارهِ الشاق في العمل.
حيث سيتضمن مشهد داخلي / صباحي : وهو شبه مستيقظ ينظر باتجاه معين وهو يعيش لحظات التأمل، وإذا بصوت ينبههُ بوجوب الإستيقاظ فوراً كونهُ تأخر عن العمل.

مشهد داخلي / صباحي: الشاب وهو يؤدي عمله في المقهى، ولتكملة التدفق الصوري، مشاهد متعددة تمثل كل ما يمر به الشاب خلال هذا اليوم من العمل، ولدواعي فنية قد يصل متوسط التصوير لأكثر من يوم لأجل تسجيل أكبر قدر ممكن من الأحداث وكذلك الإبتعاد عن الملل بسبب الأحداث المتكررة، ولو تمعنا بالفلم لوجدنا بأنه تسجيل لأحداث واقعية تجري بشكلٍ يومي للشاب الخريج (القهوجي)، ممكن قد تطرأ عليها بعض التغييرات لكن بمُجملها تمثل تسجيلاً توثيقياً لواقع مازال مستمراً في حياة هذا الشاب.

وبناءً على ماتقدم من أمثلةٍ مبسطة، فإن الفيلم القصير الـ(documentary)، سواء كان يتحدث عن خطة قصف لندن أو حياة الشاب (القهوجي)، فإن المحصلة النهائية هي أن الهدف الأساسي والجوهري للفيلم القصير الـ(documentary)، يتمحض حول التوثيق والأرشفة للأحداث سواءً كانت قديمة أو جديدة، من خلال التسجيل الواقعي المتسلسل، البعيد كل البعد عن الإضافات والتحريف، ليكون مادة أرشيفية مصورة مُكتملة الأركان، وبالتالي لايوجد إختلاف أو فرق بين الوثائقي أو التسجيلي، كون الاثنين يمثلان أرشفة لحدثٍ معين، والإختلاف الوحيد هو أن الوثائقي يعتمدُ في بنائه على أحداث وقصص سابقة مضت، بينما التسجيلي يعتمد على مواضيع وقصص مستمرة الحدوث.

Open chat