في ظهيرة يوم حار في منطقة الهاشمي الشّمالي في عمّان، تحديدا في حيّ الزغاتيت، الذي تعمل فيه عددٌ من منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية، على اعتباره من مناطق الدخل المنخفض، بحسب أخصائية اجتماعية تعمل في المنطقة، يظهر على باب واحدة من الشقق الأرضية في بناية قديمة إطار قديم مُعلق فيه صورة مطبوعة عن لوحة “الشهيد” للفنان حسني أبو كريّم. كُتب أسفلها عبارة “أنا أول القتلى وآخر من يموت”. كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها الأخصائية عمل فني في أي من البيوت في المنطقة التي عملت بها لمدة ثلاث سنوات. بحسب الفنان د.حسني أبو كريّم، فإن العمل الأصلي الذي رسمه، مع مجموعة أخرى من الأعمال بين العامين 1988 و 1991، قد طُبعت ووُزعت بشكل مجّاني لأعداد كبيرة من الناس تأثّرًا بأحداث الانتفاضة. وكان كل من يرغب بتوزيعه يأخذ كمّية من الأعمال ويوزعها مجّانًا، حتى نفاذ كمية المطبوعات.

وفي مشهد مشابه آخر في نفس المنطقة، تظهر لوحة معلقة على حائط في منزل قديم، يعاني أصحابه من ضيق الحال المادّي وصعوبة الأوضاع الاقتصادية. اللوحة الأصلية المُثبّتة على الحائط تعود للفنان الأردني س.ب. وتحمل قيمة مادية مرتفعة إلى حد ما. اتّضح بأن العائلة حصلت عليها مع أثاث البيت كتبرّع من عائلة في عمّان. فقرروا الاحتفاظ بها رغم عدم معرفتهم بالفنان أو اللوحة أو قيمتها المادّية. فلم تكن بالنسبة لهم أكثر من عمل فنيّ جميل قرروا تقديره بتعليقه في غرفة الضيوف.

طبعة عن العمل “الشهيد” للفنان حسني أبو كريم

 

لطالما أثارت هذه المشاهد مع مشاهد عديدة أخرى شاهدها فريقنا في أوقات وأماكن مختلفة, عددا من الأسئلة لدينا عن الطريقة التي تستهلك بها المجتمعات فنونها. وبالتأكيد أسئلة عديدة أخرى عن إمكانية واحتمالات وصول الفن المحلي والعربي لمجتمعه كاملا وعدم اقتصاره على فئات معيّنة. نبني على هذا النوع من الأسئلة مشاريعنا. ونتعلم يوميًا طُرق وآليات جديدة تُمكننا من تقليل الفجوة بين الفنون البصرية والناس في حياتها اليومية. 

مؤخرا قام فريق إطار فني بتنسيق معرض فنيّ في “سوق الجمعة” في عمّان، حمل عنوان “بسطة فن”. حيث تم تنسيقه بعيداً عن جدران دور العرض والمؤسسات الثقافية. وفي هذا السّوق تحديدا على اعتباره الأقرب للناس من مختلف الخلفيّات والمستويات الاقتصادية. لم يخضع هذا التنسيق لأي محددات أو قيود عادةً ما ترتكز على العلاقات والتقييمات الفنية البعيدة عن جودة العمل أو أصالته. أقدمنا على هذه الخطوة وفي بالنا سؤال أساسي حول ماذا لو عُرض الفن بشكل غير ربحي للناس؟ وإذا ما كانوا سيقدمون على اقتناء هذه الأعمال ويهتمون جديًا بموضوعاتها؟ وعليه أُقيم هذا المعرض.

أقيم المعرض يوم الجمعة الموافق 6 أيلول من العام 2024. وفّرت البسطة أعمالًا فنية أصلية ومطبوعة بأسعار زهيدة تتناسب مع ميزانية مُرتادي سوق الجمعة. شارك في المعرض المشترك كل من الفنانين: جهينة رواحنه وسارة الرمحي وجمانة الشافعي وإياد علاّري. والذي قام بدوره بإدارة البسطة طوال يوم المعرض، والتواصل بشكل مباشر مع مُقتني الأعمال الفنية من روّاد السوق. يصف إياد تجربته في ذلك اليوم بأنها تجربة فريدة من نوعها. فقد تنوعت ردود الفعل بين الفضول والسخرية, لكن ما أثار استغرابه هو أنه أكثر من نصف الأعمال قد تم بيعها في الصباح الباكر وقبل صلاة الجمعة. يقول إياد “في ناس استغربت وناس انبسطت. اللوحات اللي موضوعها عن فلسطين خلصت أوّل اشي عن البسطة”. يتحدث إياد عن مرتادي المعرض (البسطة) ويقول إن من ضمن المُقتنيين سيدة اقتنت مجموعة الطبعات هدايا لأبنائها. وطفل اشترى بنصف دينار طبعة لصورة أبو عبيدة. وشاب من سكان مخيم الوحدات يعمل بالسوق على بسطة، وشاب جامعي اشترى عددًا من الطبعات، أكّد كل منهما على أن السعر المنطقي هو ما شجعهما على اقتناء الأعمال عن البسطة دونًا عن أي مكان آخر. إضافة لسائحة من دولة شرق آسيوية اقتنت عددا من اللوحات. 

 

 

 

زياد (26 عام) هو أحد مُقتني الأعمال عن البسطة, ويعمل في مجال الهندسة الزراعية، يرتاد سوق الجمعة عادةً لشراء الملابس والأحذية, يقول أنه لا يرتاد دور عرض الفنون (الجاليريز) في العادة, ولم يشتر أي لوحة من قبل. فهو لا يعرف تماما مكان أو أوقات المعارض, لانشغاله المستمر بساعات عمله الطويلة. يضيف أن وجود بسطة متخصصة لبيع الفن في السوق الذي يرتاده أسعده. اشترى زياد اللوحة الزيتية “مشهد من بيتا”، التي تحمل -بحسب رأيه- موضوعًا يذكّره بحلم حياته بالعودة إلى أرضه وبيت أجداده في فلسطين, ويضيف بأنه سيقوم بتعليقه ليُذكره كل يوم بهذا الحلم وأن حياته هُنا مؤقتة وأن العودة حتمية يومًا ما.

استمرّ المعرض لمدة يوم واحد في نسخته التجريبية, لكن كان  لهذه التجربة أثرًا على قرارنا بإعادتها في المستقبل، حيث أكّدت لنا بأن الناس حتّى ولو كانوا قاصدين وجهة تسوّق شعبيّة ومتعددة الخيارات كسوق الجمعة, فإن هذا لا يعني عدم وجود احتمالية لوقوفهم لدى “بسطة” لا تعرض البضائع التي اعتادوا على رؤيتها في السوق وإنما تعرض أعمالًا فنية واهتمامهم بشراء هذه الأعمال واقتناءها لأسباب حقيقية ربطتهم عاطفيّا بمواضيع هذه الأعمال وليس لمجرّد هوس الاقتناء أو تعبئة فراغ ما على جدران منازلهم. 

 

صور: محمد سليمان