في مجال الفنون البصرية، كثيرًا ما تُسلّط الأضواء على تجارب الفنانين ومسيراتهم الإبداعية، بينما تمر تجارب العاملين في المؤسسات الفنية من دون اهتمام يُذكر. انطلاقًا من رغبتي وفضولي في استكشاف هذا الجانب ، أجريت مقابلات مع عدد من الموظفين في مؤسستين فنيتين في عمّان، للحديث عن طبيعة عملهم اليومي، وما طرأ على مساراتهم المهنية والشخصية خلال سنوات عملهم. من خلال هذه التجربة، أحاول إلقاء نظرة أعمق على الأدوار التي يقوم بها هؤلاء العاملون خلف الكواليس، وعلى تأثير البيئة الفنية في حياتهم وتجاربهم.
كانت دارة الفنون ــ مؤسسة خالد شومان، التي وُلدت فيها فكرة هذا المقال، أولى محطاتي للبدء بهذه اللقاءات. التقيت هناك بالعم رجب والعم أبو عامر، اللذين تشاركا معي بسخاء قصصهما وتجربتهما الطويلة في المؤسسة.
كان أبو عامر يعمل سابقًا في البنك العربي قبل تأسيس الدارة، ويقول عن تلك الفترة: “بعد تأسيس الدارة عام 1992 اخترت عدم العودة إلى البنك والبقاء هنا لتعلقي الشديد بالمكان”.
وأشار خلال حديثه إلى زميله رجب، الذي كان يشاركنا الجلسة، مضيفًا: “بقيت هنا برفقة هذا الصديق الطيب الذي أعتبره أخًا وابنًا في ذات الوقت. لقد جئت إلى هنا وهو يعمل في ورشة البناء والترميم”
كان رجب يعمل مع المهندس المعماري عمّار خماش منذ عام 1990 في ورشات البناء. وعندما كُلّف خماش بترميم مباني دارة الفنون، طلب من رجب الانتقال مؤقتًا إلى منطقة اللويبدة لإجراء بعض التصليحات في مبنى قديم، وهو المبنى الرئيسي للدارة اليوم، على أن تستغرق المهمة شهرين فقط قبل أن يعود إلى عمله السابق في الفحيص. لكن رجب، ومنذ ذلك الحين، لم يغادر المؤسسة.
يروي رجب: “كان عملنا في الدارة ينقسم إلى قسمين: الدهان والقصارة. كنت أعمل في القصارة والبناء، وأبو عامر في الدهان. وعندما انتهينا من تجهيز المبنى الرئيسي وافتتاحه رسميًا بحضور الملكة نور، انتقلنا إلى المبنى التالي ثم الذي يليه. وعند الانتهاء من أعمال الترميم جميعها، وخلال يوم افتتاح الدارة بحضور السيدة سهى شومان والأميرة وجدان، تم الاحتفاء بنا كطاقم عمل الترميم بطريقة جميلة جدًا.”

صورة للعمّ رجب في يوم لقاءنا
بعد الانتهاء من أعمال الترميم في مباني الدارة بقي العم أبو عامر والعم رجب في وظيفة دائمة داخل أسوار الدارة في الصيانة وتجهيز المعارض، كانت هذه فرصتي لطرح سؤالي التالي: هل تولّد لديكما الاهتمام في الفن بعد بدء العمل في مؤسسة فنية والتعاطي بشكل مباشر مع المعارض والأعمال الفنية والاحتكاك بالفنانين؟
بادر رجب بالاجابة قائلاً، “لا تنسي بأنني كنت أعمل تحت يد فنان تشكيلي (المعماري عمّار خمّاش) ، كان مكتب عمّار هو ذاته مرسمه الخاص ، فكان رجب يزوره كثيرا ، يقول: “عند زيارتي لمرسم عمّار كنت أشاهد أعماله الفنية بإعجاب ، من هناك تعرّفت على الفن. كان أول معرض أشاهده في الدارة لعمّار، وكانت تجربتي الأولى في مشاهدة هذا العدد من اللوحات ، لقد انبهرت. والأغرب أن الأعمال كانت معروضة بأسعار معقولة جدًا، وبالفعل، بيعت جميعها في يوم الافتتاح.”
أضاف أبو عامر أنه أصبح حريصًا على مشاهدة المعارض في الدارة ، وأكّد على أن الفنان صاحب رسالة ومن الواجب عليه أن يحترمها مهما كانت. يقول: “كنت دائمًا أبدي رأيي بصراحة عندما يسألني الفنان عن معرضه، سواء كان يعجبني أو لا. لكنني كنت أحرص على احترام جميع الأعمال، فهي نتيجة جهد ووقت طويل قضاه الفنان في التعلّم والدراسة، وأنا بدوري كنت أعمل على تركيب المعارض بشكل يجعلها تظهر بأجمل صورة”
لا يمكننا الحديث عن الفن والفنانين واستبعاد الأعمال التي قام بها هؤلاء الرجال الطيّبون داخل الدارة بحرفية وإتقان وحس فني عالٍ!
خلال حديثنا، كنا نجلس تحت سقيفة خشبية معتّقة بالشّيد، مستوحاة من المظلات الشركسية ومظلات المقاهي الفلسطينية. وقد ظلّت قائمة هناك منذ عام ١٩٩٣، قام العم أبو عامر بالمساعدة في صُنعها.
يقول أبو عامر: “تعلّمت هذا العمل تحت يد معلمين كبار في نابلس منذ أن كنت في الثانية عشرة من عمري، أي في عام ١٩٦٨ ، كنا نخمّر الدهان المستورد من إنجلترا آنذاك واستعماله في عملية التعتيق. وعندما جئت إلى دارة الفنون، شعرت بأن هذا العمل الذي أريد ممارسته، وقد وضعت كل خبرتي في هذا العمل”
عند سؤالي لهما عن أكثر الأحداث الفنية التي بقيت عالقة في أذهانهم منذ انضمامهما للعمل في دارة الفنون، كان جواب العم أبو عامر دون تردد هو افتتاح الدارة، الذي يعتبره لحظة فارقة في مسيرتهم. وأضاف أن من أبرز المعارض التي أثرّت فيه كان معرض الفنان سعيد نُسيبة، الذي ضم صورًا للمسجد الأقصى وقبة الصخرة، وهو ما ترك أثراً عميقاً في نفسه. كما أشار إلى تأثره الكبير بعرض الفنانة سهى شومان بعنوان “بيّارة جدّي”، الذي عرضت فيه فيديوهات توثق انتهاك الاحتلال الصهيوني لأراضي جدها في فلسطين. وقال: “ما زال هذا المعرض عالقًا في بالي لأنه كان حدثًا حقيقيًا وتوثيقًا للواقع، ولم يكن مجرد رؤية فنان خاصة.”
أما بالنسبة لرجب، فقد اعتبر معرض “من بيكاسو حتى وقتنا الحاضر” الذي أُقيم عام 1996 هو المعرض المفضل لديه، وذلك بسبب الحضور الكبير للزوار وفرصة لقائه بعدد من الفنانين. يرى رجب أن فن الرسم هو الأهم بالنسبة له، ويعتبر اللوحة الوسيلة الأساسية لنقل الأفكار. كما أن لديه شغفًا خاصًا بفن النحت، ويحرص على ممارسته بين الحين والآخر. وقد ذكر لي بعض النحاتين الذين يفضلهم، مثل النحات المصري آدم حنين والنحاتة الأردنية منى السعودي، مؤكدًا تأثير أعمالهم عليه.
بعد أن شارك كل منهما أحداثه المفضلة التي مرّ بها في دارة الفنون، أكّد كلاهما على أن كل يوم داخل الدارة يشكل لحظة مميزة بالنسبة لهما، تمامًا كما هو مميز للزوار. وأضاف أبو عامر أن أسعد لحظاته في أيامه الاعتيادية تكون عندما يقترب منه الناس أثناء حديثه عن تاريخ الدارة، ليصغوا إلى قصصه باهتمام وفضول، ما يجعله يشعر بالفخر والاعتزاز بما يقدمه من معرفته وتجربته في هذا المكان الفريد.
عند انتقالي إلى مؤسسة “مماغ” (محمد وماهرة أبو غزالة) للقاء جارُو وعبدالله، بدا الجو العام والمعمار مشابهين إلى حدٍّ كبير لما في دارة الفنون، لا سيما أن المهندس عمّار خمّاش أشرف على ترميم مباني المؤسستين. فالمباني الحجرية في “مماغ” الممتدة على جبل عمّان تشبه إلى حدٍّ بعيد مباني الدارة على جبل اللويبدة المقابل، حاملةً ذات الروح المعمارية والفنية: أقواس نصف دائرية فوق النوافذ والأبواب مستلهمة من العمارة الإسلامية الشامية، وجدران الحجر الجيري، وأرضيات البلاط المزخرف.

أحد مباني مؤسسة مماغ, صورة من صفحة المؤسسة
منذ استلام جارو الأرض التي أقيمت عليها المؤسسة ومباشرة العمل مع المهندسين المكلفين بترميم المباني، أصبح مسؤولاً عن صيانة الموقع ومتابعة الفرق العاملة في مختلف المواقع. لم يسبق لجارو أن عمل في قطاع الثقافة والفنون قبل ذلك، ولا يزال هذا الجانب لا يجذبه رغم السنوات التي قضاها داخل أسوار المؤسسة. يشرح جارو موقفه بقوله:
«عملي في الأساس هو فن، ولكنه فن مختلف عن الفن المعروض. حين أقف مع الفنانين وأستمع إلى حديثهم عن أعمالهم التي تحمل معنى بالنسبة لهم، أشعر بأنها جديدة عليّ، ولكن في نهاية اليوم تبقى مجرد لوحة معلقة، أما أنا فأنا شخص عملي».
ومع ذلك، يصف جارو المؤسسة بأنها بيته الثاني، حيث يقضي أكثر من نصف يومه فيها يوميًا، باستثناء بعض الأيام التي يضطر فيها للغياب لظروف معينة. ويؤكد:«نحن لا نعمل انطلاقًا من مبدأ الراتب في نهاية الشهر؛ فالمال بالنسبة لي ليس غاية بقدر ما هو وسيلة»
في محاولتي استكشاف الحدث الأبرز في ذاكرة جارو منذ انضمامه إلى المؤسسة -وهو أول معرض تصوير استضافته المؤسسة- اكتشفتُ أنه لم يكن عالقًا في ذهنه لعيشه تجربة الفن بحد ذاته، بل كتحدٍّ مهني في تركيب المعارض وتحقيق رؤية الفنان بأدقّ تفاصيلها.
يقول جارو:
“المليمتر الواحد يصنع فرقًا كبيرًا في طريقة تلقّي العين للأعمال الفنية؛ كان عليّ أن أكون دقيقًا جدًّا في عملي، وهذا هو الفن.”
وعندما سألته عن الأعمال الفنية التي عرضت أمامه ولم تثر فضوله، قرر أن يأخذني إلى المعرض الوحيد الذي ترك فيه أثرًا حقيقيًا. صادف أن المعرض كان يقام يوم لقائنا، فضمّ مجموعة صور فوتوغرافية لأغنامٍ ذُبحت، إلى جانب بورتريهات لجزارين ملطّخين بالدماء. أثارت هذه المشاهد اشمئزاز جارو لدرجة أنه فكّر في التحول إلى النظام الغذائي النباتي. ويعلّق:
“هذا المعرض لم يعجبني أبدًا، ولكنه المعرض الوحيد الذي أثّر فيّ”

صورة لجارو في يوم لقاءنا
بعد أن انضمّ عبدالله إلى “مؤسسة مماغ” في عام 2018، كان قبل ذلك ممرضًا، وخلال عمله في المؤسسة أكمل دراسةَ العلاج الطبيعي. لم يكن لدى عبدالله أي اهتمامٍ بالفن قبل قدومه إلى المؤسسة؛ فكما يصف نفسه: “كنت ممن يرسمون الشمس في زاوية الورقة”، وكان يحضر بعض فعاليات دارة الفنون بين الفينة والأخرى لتمضية الوقت لا أكثر.
ولكن كل هذا تغير منذ بدءه العمل لأول مرة في مؤسسة ثقافية فنية “بشكلٍ كبيرٍ جدًا”، كما يقول. وقد شاركني مجموعةً من الأفكار التي تولدت في ذهنه لمشروع يجمع موضوع دراسته في العلاج الفيزيائي مع ممارسة الفن. فمن خلال مراقبته ممارسات الفنانين أثناء صناعة الفن، لاحظ أنهم يمارسون الفن وهم يتخذون وضعيات خاطئة ومضرة بصحة أجسامهم. ويقول: “لاحظتُ أن أغلب الرسامين يجلسون بوضعيات خاطئة ويمسكون الريشة بطريقة خاطئة أيضًا… أنا الآن أنتظر المقيمين الجدد في المؤسسة للبدء في تنفيذ مشروعي معهم.”
في ختام هذه اللقاءات، يتبيّن لنا أن المؤسسة الفنية ليست مجرّد فضاء لعرض الأعمال الإبداعية، بل هي منظومة كاملة ينسجها خلف الكواليس فريق من المحترفين والحرفيين الذين يقدّمون خبراتهم بشغف وإتقان. و هي أيضًا بيئات تحوّلية تُمكّن الأفراد من اكتشاف جوانب جديدة في أنفسهم. من رِحلة رجب في البناء والترميم، إلى شغف أبو عامر بالتعتيق والحفاظ على التراث، وصقل عبدالله لموهبته الضمنية عبر العلاج الطبيعي، وصولًا إلى نظرة جارو العملية التي توازن بين الجمال والوظيفة، كلٌّ منهم أسهم في صياغة تجربة فريدة للمؤسسة.
ربما تُشكّل هذه اللقاءات خطوة أولى نحو رؤية أكثر شموليّة للفن، حيث يُحتفى بكلّ من يساهم في صنعه؛ ظواهره الإبداعية وأُطُره الصامتة على حدّ سواء. فالتجربة الفنية الحقيقية هي ثمرة تفاعل متبادل، تذكّرنا دائماً بأن وراء كل لوحة أو معرض فريقاً من القصص الإنسانية التي تستحقّ أن تُروى وتُحتفى.
