يتناقض ظهور السياسة في الفن الفلسطيني، بشكل حاد، قبل النكبة عمّا بعدها. فعلى الرغم من ظهورها في بعض الأعمال الفنية خلال الثلاثينيات والأربعينات، إلا إن الفلسطيني كان أكثر ميلا لممارسة فنونه الأصلية التي تدمج بين العمل اليدوي والجمالي والصناعات الحِرفية. إلى حين حدوث النكبة في العام 1948، والتي جعلت من الاحتكاك بالواقع السياسي والتعبير عنه ضرورة مُلحة للفنان الفلسطيني، مُدركا بذلك الدور الأساسي الذي يلعبه ضمن رحلة نضال تحرري أكبر. ولم تكن الموضوعات هي التغيير الجوهري الوحيد الذي طرأ على الفن، بل قد حدت النكبة من غزارة الإنتاج الثقافي والفني كذلك. يتحدث د.بشار شموط، المُتخصص في تاريخ الفن السمعي والبصري الفلسطيني، عن أن الأسباب لذلك كثيرة، أساسها شتات الفلسطينيين وتغير ظروف حياتهم داخل الأراضي المُحتلة وخارجها، فانشغل الفلسطينيون عن الفن بالتكيف مع الظروف الطارئة وتأمين أساسيات الحياة ولقمة العيش. الأمر الذي وصفه بالشرخ الثقافي الذي أدى لإبطاء الحركة الفنية الفلسطينية.

تعززت مأساة الشعب الفلسطيني بعد العام 1967، وزادت المعاناة التي عايشها الفنانون من خلال نزوح عدد كبير منهم مُحملين بالمعاناة، مُعبرين عنها في أي مكان كانوا فيه. تشكلت تجمعات ثقافية لفنانين فلسطينيين في الأردن ولبنان وغزة والضفة والأراضي المحتلة، وتناولت أعمالهم المجازر والاعتداءات والغضب الشعبي على الأنظمة العربية، كما تناولت أمل التحرير والعودة. وكان لاختلاف أماكن إقامة الفنانين خصوصية من حيث نتاجهم الفني وطريقة التعبير، على سبيل المثال وجد الفنان في الأراضي المحتلة نفسه معزولا عن العالم العربي، فلجأ لتوظيف الرمز بكثرة هربا من بطش الاحتلال. وتأثر الفنان الفلسطيني في المدن العربية بالفن المحلي هناك وأثر فيه.(1)

 

انجي افلاطون (1970) المصدر: AWARE

 

يصف د.شموط مرحلة منتصف الستينيات، وعلى الرغم من تتابع المآسي، إلا أنها كانت الفترة التي تصاعد بها  الإنتاج الفني الفلسطيني، حيث تزامن مع تصاعد نشاط منظمة التحرير الفلسطينية، التي أولت اهتمامًا حقيقيًا لدور الفن بإيصال رسالة حضارية للعالم من جهة، وحشد وشحن مشاعر الفلسطينيين في كل مكان وتوحيدهم وجدانيًا من جهة أخرى. وقد عزز ذلك التطور الإعلامي العربي بظهور الإذاعات والتلفزيونات. 

كان الكفاح المُسلح هو واحدا من أهم المواضيع التي عبر عنها الفن في تلك الفترة، والتي امتدت للسبعينات والثمانينيات وتعرقلت مع بداية التسعينيات مع توقيع اتفاقية أوسلو، التي خلقت واقعًا فلسطينيًا جديدًا، لمس الفنانون أثره من خلال دخول مؤسسات أوروبية مُختلفة كداعم جديد للفن الفلسطيني، والتي مولت مشاريع فنية تحدثت عن التراث والحياة الفلسطينية، بعيدًا عن التعبير عن المقاومة بشكل خاص. الأمر الذي خلق نهجين مختلفين لإنتاج الفن الفلسطيني. الأول يقوم على أساس أن هذا النوع من التمويل هو فرصة لإنتاج فني يعزز الثقافة وبُحافظ على التراث وكل ما يرتبط بالهوية الفلسطينية، والثاني يصر على التمسك بالتعبير عن المقاومة والكفاح ضد المحتل بشكل مباشر، ولا يرى جدوى من التعبير عن أي موضوع آخر وفلسطين ما زالت تحت الاحتلال. وقد تصاعد النتاج الفني لفناني النهج الأول على حساب النهج الثاني، لصعوبة استمراره في ظل قلة الدعم والتمويل. 

في بداية الألفينات ومع تتالي السنوات تباعًا، بدأ الإنتاج الفني بالتشتت أكثر، وارتبط ذلك بآلية الإنتاج الفني بحد ذاتها، التي أصبحت متنوعة وغزيرة وغير منظمة. وساهم في ذلك غياب الأرشفة والتنظيم من جهات وطنية مختصة، وظهور مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة نشر فردية ومستقلة للفنان. (2)

 

غازي انعيم (1980) المصدر: ارشيف ملصقات فلسطين

حول هذا الخط الزمني

(ملاحظات عامة واستنتاجات)

-انطلق هذا الخط الزمني البصري من سؤال أساسي وهو: كيف ظهر فِعل المقاومة في الفن البصري الفلسطيني والعربي؟ وعلى الرغم من إدراكنا التام بأن الفن بأشكاله هو مقاومة، إلا أننا اخترنا تتبُع الظهور المُباشر للمُقاوم الفلسطيني والعربي في ظل صراعه مع الصهيونية عبر السنوات. مدفوعون بالفضول حول كيفية تناوله من قِبل الفنانين على تنوع أساليبهم واختلاف الظروف السياسية والأحداث المفصلية في تاريخ هذا الكفاح. مُدركين أهمية المقاومة كفعل مُقدس وحق أصيل للشعوب للتحرر والدفاع عن أرضها أمام الاستعمار.

-يتضمن هذا الخط الزمني أعمال لفنانين وفنانات فلسطينيين وعرب، عددها 194 عمل، في الفترة الزمنية بين العام 1948-2023.  يُضاف لها بعض الأعمال الجدارية التي تُسلط الضوء على ذات الموضوع في مخيمات فلسطين ومدن عربية. وقد تم اختيار هذه الأعمال من مجموعة أكبر من الأعمال التي أُنتجت خلال السنوات المذكورة، وبدا من الصعب عرضها كلها لكثرتها. كما توجد هذه الأعمال ضمن مجموعات لمؤسسات ومتاحف عربية أو مقتنيات خاصة، وقد تم ذكر المصدر عند كل عمل منها.

-بعض الأعمال الفنية ترتبط بشكل مباشر بالتوجهات السياسية لأصحابها من الفنانين، وبعضها قد صدر عن مكاتب إعلامية لجهات سياسية ضمن حدث محدد في فترة زمنية محددة، وهي لا تُعبر بالضرورة عن الآراء السياسية أو توجهات الفريق المُنتج لهذا العمل.

-خلال بحثنا في الأراشيف والمراجع تأملنا أعمالًا فنية مُشبعة بالرموز، بين الألم والأمل والقوة والهزيمة والثورة والأسر والشهادة وغيرها. كانت رحلة غنية جدا، وكانت عاطفية كذلك. ومن المثير للاهتمام بأن التعبير عن المعاناة ومجازر الاحتلال كان أكثر تكرارا من التعبير عن القوة والمقاومة، وقد يكون السبب وحشية جرائم الاحتلال وشعور الفنانين بضرورة توثيقها كحدث تاريخي هام، بالإضافة لحاجة شخصية لهم للتفريغ الانفعالي والتعبير عن مشاعرهم في ظل ظروف صعبة عايشوها. 

-ظهرت المقاومة بالفن بغزارة في بعض الفترات الزمنية، كالفترة ما بين منتصف الستينات وحتى أواخر الثمانينات. ويعود ذلك لنشاط الفعل المقاوم في هذه السنوات، ولدور منظمة التحرير الفلسطينية في دعم الفنانين لإنتاج هذا النوع من الفن. وعاودت الظهور بغزارة في السنوات الأخيرة، أي ما بعد العام 2018. في حين أن ظهور المقاوم الفلسطيني كان شحيحا في فترات أخرى، كالفترة ما بعد النكبة مباشرة حين انشغل الفلسطينيون، كما ذكرنا سابقا، بتأمين أساسيات الحياة بعد المأساة على حساب إنتاج الفن. والفترة في أواخر التسعينيات وبالتزامن مع اتفاقية اوسلو التي اتخذت التفاوض السلمي كوسيلة بديلة عن الكفاح المُسلح. 

-حول تطور الأعمال الفنية عبر السنوات، فقد سيطرت حالة من الرومانسية والعاطفة على الأعمال في فترة الخمسينات والستينات. نرى من خلالها الأعمال الفنية بألوان دافئة تربط المقاومة بالعائلة والحب. اختلفت لاحقا مع ظهور “البوسترات” خلال السيتينات كذلك واستمرت بكثافة خلال السبعينات، التي عبرت بطريقة أكثر بأس وقوة من الأعمال السابقة. وارتبطت بشكل مباشر بنشاط منظمة التحرير الفلسطينية، التي استعملتها كأداة إعلان وإعلام أساسية. 

-في بداية الألفينات فقد بدأ الفن المفاهيمي بالظهور بصورة واضحة. حيث تبنت دعمه وعرضه مؤسسات فنية توجهت للعمل المفاهيمي على حساب اللوحة التقليدية. واستخدم الفنانون من خلاله عناصر تُعبر عن القتال ووظفوها بطُرق مختلفة. 

-ظهرت الرموز بكثرة في الأعمال الفنية على اختلاف مواضيعها وسنوات إنتاجها. كان أكثرها شيوعا: الأسلحة النارية والبيضاء/ الكوفية والمُلثمين بأوشحة عربية/ النباتات كرموز للأرض ومُلكيتها. وتغلبت الرموز في ظهورها على الشخصيات السياسية والمُقاوِمة المعروفة، التي كانت نادرة الظهور حتى العام 2015 وما بعده، عندما أدت سرعة الإنتاج والنشر على مواقع التواصل الاجتماعي للتفاعل السريع مع الأحداث ورسم شخصيات لمقاومين وشهداء حولهم الرأي الشعبي العربي لأبطال ورموز بحد ذاتهم.

-محددات عديدة واجهت الفريق خلال البحث، كعدم القدرة على الوصول لبعض اللوحات المُقتناة بشكل خاص، والأعمال الفنية المغمورة التي لم تتم أرشفتها وتوثيقها. بالإضافة لصعوبة الوصول لبعض الأعمال الفنية في السنوات الأخيرة والتي من الممكن أن يكون قد تم اخفاءها عن مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تحديد النشر على هذه المنصات وسياسية الخوارزميات المتحيزة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن عددًا من الأعمال الفنية الفلسطينية، قد تم إتلافها ومصادرتها من قِبل الاحتلال في مناسبات عديدة، كهجوم الاحتلال على الأحياء الفلسطينية في القدس الغربية عام 1948، ونهب مبنى دائرة الإعلام والثقافة الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1982. ضمن عمليات نهب عشوائية أو ممنهجة. (3)

 

لتحميل الملف كاملا من هُنا. (يتضمن خط زمني توضيحي للأعمال من عام 1957-2023)

 

 

المراجع:-

-(1)الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية: الفنون البصرية الفلسطينية، المُنقِّبون.

-(2)الإرث الفلسطيني المرئي والمسموع، نشأته وتشتته والحفاظ الرقمي عليه. دراسات أولية وتطلعات مستقبلية

-(3) انظر فيلم Looted & Hidden”: Israel’s Futile Attempts to Erase Palestinian History

-(4) The Art of Resistance in the Palestinian Struggle Against Israel

– K. Luisa Gandolfo. Representations of Conflict: Images of War, Resistance, and Identity in Palestinian Art. 

-WikiArt visual art encyclopedia.

-The Arab Apocalypse, Manazir Journal: by Silvia Naef & Nadia Radwan.

-Arabic design archive

لقاء مع سليمان منصور: موقع إطار فني 

-الصناعات التراثية في الأراضي الفلسطينية، مهند حامد.